محمد بن ابراهيم الوزير اليماني ( ابن الوزير )

30

العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم

ولم يَكنِ اجتهادُهم في ذلِكَ العصرِ إِلا بملازمة النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - فقط ، مع سماعِ جُمْلَةٍ من حديثِه ومعاينةِ كثيرٍ من أفعالِهِ ، وإن لم تَطُلْ تلك الملازمة طُولاً كثيراً ، ولهذا قال تعالى : { فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ } [ التوبة : 122 ] وهذا النفيرُ الذي نَدَب اللهُ إليه في هذه الآيةِ هو النفيرُ للجهاد ( 1 ) ، فجعلَ المجاهدينَ فقهاءَ في الدِّين ، وسمَّى الجهادَ تفقهاً لِمَا يَصْحَبُهُ مِن رؤيةِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - كيف يُصلي ، وبما يأمُرُ المجاهدين مِنْ أحكامِ الجهاد ، ففي مدة إقامتهم معه في الغزوات سمَّاهم متفقهين ، وأباحَ لهم أن يُفتوا قومَهم بما رأوا من أفعالِه عليه السلام ، وبما سَمِعُوا من أقواله ، ولكِنَّهم لا يكونون مُجتهدين فيما لم يَرَوْا ولم يَسْمَعُوا ، وهذا اجتهادٌ خاص ، وهو أحدُ الأدلة على تجزُّؤ الاجتهاد ( 2 ) . فإن قلت : لم يكونوا يُفتون قومَهم إذا رجعوا إليهم ، إنما كانوا يَرْوونَ لهم .

--> ( 1 ) اختلف المفسرون في المراد بهذا النفير على قولين ، أحدهما : أنَّه النفيرُ إلى العدو ، فالمعنى : ما كان للمؤمنين أن ينفروا بأجمعهم ، بل تنفِرُ طائفة ، وتبقى مع النبي - صلى الله عليه وسلم - طائفة { لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ } يعني الفرقة القاعدين ، فإذا رجعت السرايا ، وقد نزل بعدَهم قرآن ، أو تجدد أمر - أعلموهم به ، وأنذروهم به إذا رجعوا إليهم ، وهذا المعنى مروي عن ابن عباس . والثاني : أنَّه النفير إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تنفِرُ المؤمنين طائفةٌ ليفقه هؤلاء الذين ينفرون ، ولينذروا قومهم المتخلفين . هذا قول الحسن . قال ابن الجوزي في " زاد المسير " 3 / 517 : وهو أشبهُ بظاهر الآية ، فعلى القول الأول يكون نفير هذه الطائفة مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إن خرج إلى غزاة أو مع سراياه ، وعلى القول الثاني يكون نفير الطائفة إلى رسول الله لاقتباس العلم . ( 2 ) جمهور أهل العلم من أهل السنة والمعتزلة والإمامية على جواز تجزؤ الاجتهاد والمنقول عن الإمام أبي حنيفة منعه ، ويكاد يكون خلافه رحمه الله لفظياً ، ذلك لأن الناقلين عنه أخذوه من تعريفه للفقيه بأنه من له ملكة الاستنباط في الكل ، وكونه له الملكة يعني بالفعل فيما يعلمه ، وبالقوة فيما لا يعلمه . انظر " المستصفي " 2 / 453 - 354 و " الإحكام للآمدي " 4 / 164 ، و " المعتمد " 2 / 929 ، و " مرآة الأصول " 2 / 469 ، و " المحصول " 2 / 3 / 37 ، و " إرشاد الفحول " 235 .